أسيرة وهم

المدونة لنشر الروايات

الثلاثاء، 8 مايو 2018

الشخصيات والعوالم

نورسين الكسندر والتر      البطلة
السيدة باولا والتر              الام
السيد الكسندر والتر             الاب
رودريك فيكتور                     البطل
دانيال انطوني
بيدرو جونسون
فيفيان ميشيل
تونيا سميث

انكلترا  
عالم اوكتافيوس مقسم الى ثمانية مدن :
1 - ادريانوس : سوداء ، مظلمة
2 - نوفيلا : قادم من جديد
3 - گيهارد :
4 - ليبراتو
5 - تورن
6 - روزماندا
7- اگنوس

الفصل السادس

في ليلة باردة مثلجة ، كنت للتو عائدة برفقة اصدقائي من حفل الاوبرا الممل ، لربما قد يستغرب احدهم كيف لشخص من الطبقة الثرية ، ان يمقت هذا الفن العريق والذي لا يحبه سوى الاثرياء والمثقفين جديدي العهد ، قد لا يهتم الناس ان سمعوا فقيرا يكره فن الاوبرا ، وربما يسخرون منه لجهله بالثقافة او يتهموه بانه ليس ثرياً او جاهلا غير محب للفن ، لكنهم لن يغفروا لاحد من الاثرياء امثالي ان علموا باني لا احب الاوبرا التي لا افهمها ولا يصل لي منها سوى الصراخ ، لذا انا اضطر لاجامل اصدقائي و اكون مجبرة على الذهاب معهم .. 

توقفت بالقرب من احدى المحلات لاشتري لي سترة صوفية ، كانت قد نالت اعجاب رودريك في احدى المرات التي كنت بصحبته ، وطلب مني شرائها لانها ستبدو جميلة عليّ ، بحسب قوله ، لكني وقتها لم اكن احمل معي اي نقود ، فهو قد اشترط عليّ عندما نخرج معا ، ان لا احمل معي اي نقود كي العب دور الفقيرة بنجاح ، وقد اعجبني هذا الشرط ، لاني عندما اتحول فقيرة مثله لا اخشى من ان تسرق محفظتي او بطاقتي الائتمانية ، فقط اكون على سجيتي و وقلبي مطمئن ..

اخبرني دانيال بانه سينتظرني مع بقية الرفاق في الخارج ، لكن فيفيان اصرت ان تدخل معي لترى ما الذي سأشتريه ، هي هكذا دوما تعجبها منافستي في كل وقت وعلى اي شيء ، كنت اعلم ان ذوقي هذه المرة لن يعجبها ، لكني لم اهتم .. تقدمت مباشرة نحو السترة وهي ما زالت تراقبني ، كانت السترة معلقة على واجهة المحل الزجاجية ذات مظهر بسيط جدا ، بنية اللون تتخلها ورود بيضاء ، واكمام طويلة تحتوي على ازرار كبيرة باللون الابيض ، قمت بسحبها ثم توجهت الى صاحب المحل لادفع له ثمن السترة ..لكن قاطعتني فيفيان وهي معترضة :
- نورسين هل جننت ، ما الذي اعجبك بهذه القطعة البالية ، ارجوكِ اختاري غيرها ، لا تقلقلي نحن لسنا مستعجلين وبإمكاننا انتظارك لتختاري ما يليق بك ..

اجبتها دون ان انظر باتجاهها :
- لا لن اختار غيرها فقد اعجبتني هذه السترة و وقع اختياري عليها ..

- هل بات ذوقك رديئا ام ماذا ؟

ابتسمت كي اغيضها :
- ربما ، من يدري ، المهم انها اعجبتني واريد شرائها .

بعد ذلك اوصلوني اصدقائي الى منزلي ، كان واضحاً على معالمهم الاستياء ، ليس بشأن قطعة ملابس لكن اعتقد ان فيفيان اخبرتهم باعتراضي لرأيها ، لم اعرف تحديدا ان كان استيائهم مني او من ذوقي الذي فاجئهم ، او من تمردي الذي بدأوا يكتشفوه منذ فترة قصيرة ، حتى اني كنت متفاجئة كثيرا من نفسي ، فقد لاحظت ذلك التغير الكبير منذ ان اتخذت رودريك صديقاً لي ، غير ان هذا التغيير لا يزعجني بل العكس يجعلني اشعر قليلا براحة . فعلى سبيل المثال ، كنا انا و اصدقائي قبل ثلاثة ايام تحديداً في شقة بيدرو نتناول العشاء ، ثم تطرقنا لموضوع الفقراء واسباب تمردهم على القوانين والانسلاخ منها ، واذا بي انطق فجأة بجملة لم اتخيل نفسي يوما بان اقولها يوما ! وامام من ؟ امام رفاقي ! 
كانت تينا اول من تطرقت لهذا الموضوع :
- اتعلمون يا اصدقاء ان اعداد الفقراء في تزايد ، بسبب الازمة الاقتصادية الحالية التي تعصف في البلاد ، الكثير من التجار و رجال الاعمال قد خسروا اموالهم واصبحوا الآن على خط الفقر .

قالت لها فيفيان التي كانت منشغلة في برد اظافرها :
- اخشى ان يقوموا بحركة تمرد ، متخذين من خسارتهم ذريعة لاسقاط البرلمان ..

- لا بد ان تحذري والدك نورسين ، كي يتخذ التدابير اللازمة من أجل حماية الشعب ، ان تحول الاثرياء الى فقراء يجعلهم عرضة للانحراف في طريق ..

الفصل الخامس

" احيانا المرء لا يملك القدرة وروح المبادرة لبدء شيء وحده "
الدوس هكسلي

ثمة سؤال يشغل عقلي دوما كلما كبرت وازددت وعياً ، ما الذي يجعل الحياة أجمل ؟ حتما ليس الثراء ولا الوجه الحسن ولا حتى تحقيق الاحلام ، بل البساطة ، فان تكون حياتك بسيطة خالية من التعقيدات والعقبات والمشاكل التي تكدر صفو مزاجك المتقلب، هو ما يجعلها جميلة ، هذا ما اكتشفته مؤخرا مع مرور شهر على بدء صداقتنا انا و رودريك ...
كنت اشعر معه بالغبطة والسرور دون ان اعلم لماذا اصبح سعيدة برفقته ، كان هناك شعور طاغي ينتابني وهو قربي ، احساس مفعم بالامان والسلام الداخلي ، كنت اشعر وانا معه بأن الحياة تبدو على بساطتها و جمالها دون تكلف او بهرجة مزيفة او تصنع ..
حتى انا كنت نورسين الانسانة فحسب لا الفتاة الثرية المتعجرفة ولا حتى شخصية اخرى متصنعة لكي اثير اعجابه كما افعل مع اصدقائي الاخرين ..
اصبحنا نخرج معا في المساء فقط - وذلك لظروف تخصني - نزور اماكن عديدة لم ازرها قط مع رفاقي اولئك . اما تلة جبل او الى ساحل بحر او مطعم بسيط يحضر اشهى الاطباق الشعبية التي لم اتذوقها ولم اسمع بها يوما ، او نتسلل الى قاعات السينما الفارغة نشاهد افلاما رومانسية يفضلها رودريك واحيانا افلام الرعب التي افضلها ، وفي بعض المرات نتشاجر معا  لاني احب مشاهدة الرعب وهو لا يفضلها وايضا هي ترعبه وتخيفه ، لذلك انا استهزأ به دوما ..

اتذكر مدى صدمتي به حين اخبرني اول مرة انه يخاف افلام الرعب ولم يشاهد فيلما مرعبا قط ، قلت له والدهشة تعتلي ملامحي :
- انت شخص غريب بطريقة مضحكة ، كيف لرجل انا يهاب مشاهدة افلام الرعب ويفضل عليها الافلام الرومانسية الكلاسيكية المملة. 

- وماذا سوف استفيد م̷ن مشاهدة فيلمٍ مرعب ، وشبح ينتقم من اناس ظلموه قبل موته،  لن يزيدني هذا الا قرف واشمئزاز .

يومها ابتسمت ساخرة على طريقة قوله للجملة الاخيرة وهو يمثل كيف يشمئز الانسان من شيء ما يدعوه الى التقيء ثم سألته :
- حسنا اجبني انت ، وماذا سوف تستفيد من مشاهدة فيلم رومانسي يتحدث عن اثنين يقعان بحب بعضهما ثم يفترقان او يموت احدهما او ربما يحالفهما الحظ ويتزوجان ليتطلقا بعد ان ينجبا طفلا ؟ !

- الخبرة يا سيدتي الخبرة ، ساصبح خبير بالعلاقات الغرامية وستلجأ لي جميع الفتيات لحل مشاكلهن المستعصية. 

- ههههههه انت حقا أحمق كبير  ، ولماذا تهتم بمشاكلهن الخاصة ؟

- لانكن مظلومات ، وانا لا احب الظلم .

- مظلومات ! نحن ! حقا ؟

- نعم انتن .

- بماذا مظلومات ؟

- بصورة عامة اغلبكن لا يسمح لكن باتخاذ قرارات تخص حياتكن الخاصة ، لابد من وجود احدهم للتحكم بكن وتسييركن وفق ارادته هو ، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى بعض الرجال الذين تعشقوهم يحاولون استغلال مشاعركن الجياشة لتحقيق مآربهم الخبيثة او يحطمون قلوبكن ثم يهجرونكن ، وقتها تحتاج الفتيات لمرشد او ناصح يحاول مساعدتهن وانا خير ناصح بقلب سليم لا يعرف الاستغلال .

- واو ، ادهشتني فلسفتك .

- جميل ان تعجبك فلسفتي ، فهذا يسعدني جدا .

تسائلت وقتها :
هل انا مظلومة ايضا ؟
ورغم اني اعرف الجواب لكني آثرت الصمت على نفسي ولم اجب عن هذا التساؤل .

في ذلك النهار عدت الى منزلي وانا مشغولة البال عقلي مزدحم بالافكار والاسئلة ، دون ان القي التحية على والدتي التي كانت جالسة برفقة صديقاتها ، حتى ان الجميع كان يناديني ، الخادمة ، امي وصديقاتها لكني لم الحظ ذلك ، توجهت مباشرة الى غرفتي كنت اود الاستلقاء على سريري ، كنت اشعر بتعب و وهن كبير في جسدي دون ان اعلم السبب ، وانا اردد في عقلي ذلك التساؤل الغريب :
‏" هل انا مظلومة ، هل حقا انا مظلومة ، هل انا مظلومة فعلا "

وبينما كنت على هذه الحالة المخدرة ، اجتاحت والدتي الغرفة دون ان تطرق الباب حتى ، وهي غاضبة الى اقصى حد :
- كيف تحرجيني بهذا الشكل امام صديقاتي ، هيا اذهبي حالا لتعتذري منهن وتلقي التحية .

وبالرغم من سماعي لها وفهم ما قالته ، الا اني فضلت الصمت ولم اجبها :
- نورسين الم تسمعي ما قلت ، هل تتجاهلين كلامي عمداً ؟

- ‏نورسين ما بالك لما لا تردي علي ؟

- ارجوك امي دعيني وشأني فقط لمرة واحدة ارجوك ، انا متعبة جدا .

- ماذا ؟ هذه اول مرة تعصين فيها اوامري !

- لم اعصي اوامرك ، فقط انا متعبة واطلب الراحة ، هل طلبت الكثير ؟

- اسمعي يا ابنتي ، لا راحة قبل ان تنهضي وتذهبي الى الضيوف وتلقي التحية عليهم ، وكذلك تعتذرين على عدم انتباهك فهذا غير لائق بحقهم ويعتبر اهانة للضيف ..

قلت بنفاذ صبر و بنبرة اقرب الى الصراخ :
- لكنهن لسن من الضيوف مهمين ، هن صديقاتك وكل يوم يجتمعن معك في هذا الوقت المتأخر ..

هنا فقط ظهر لي صوت اخر لوالدتي لم اسمعه من قبل :
- ان لم تنهضي حالا سترين مني ما لا يسرك ابدا .

استسلمت خانعة مجبرة :
- حاضر .

في الحقيقة هذه النبرة الغريبة ارعبتني ، انا اعلم ان امي تملك مزاج حاد ، لذا اطعتها دون ان اجادلها وفعلت كما طلبت مني ، ثم عدت الى غرفتي واستلقيت على فراشي ، وغرقت في نوم عميق .

في صباح اليوم التالي ، غادرت المنزل الى جامعتي مسرعة ، كي لا تلحظني والدتي وتبدأ بتوبيخي ثم تلقي علي محاضرة طويلة بسبب ما فعلته في الامس ، لكني توجهت الى منزل رودريك اولا ، كي أقله معي ..

كان منزلا بسيطا جدا ، يقيم فيه مع صديقين يعملان سويا معه في تصليح الاجهزة الكهربائية
‏لحسن حظي لمحته امامي ، وقد خرج لتوه وهو يهم بالركوب على ظهر الدراجة ، قدت السيارة مسرعة ثم توقفت مباشرة امام دراجته ..
لن أستطيع وصف فرحته الكبيرة برؤيتي وانا اقف امامه وبالقرب من منزله أيضا ..

- صباح الخير رودريك .

- واو ، يا لها من مفاجئة سارة في هذا الصباح

- وانا في طريقي الى الجامعة ، خطرت ببالي فكرة ايصالك معي ..

- هذه الفكرة غمرتني بالسعادة حقيقة ، لكن ماذا لو شاهدنا اصدقائك ، هل ستستطيعين مواجهتهم او تفسير ذلك لهم ..

- وهل تظنني حمقاء ، كي لا افكر في ذلك ، وقد قررت ان لم تمانع طبعا ان انزلك قبل ان نصل ..

- كل ما يهمني ان استمتع برفقتك ، رغم انك فعلا حمقاء  ..

- كف عن تفاهتك و هيا اركب بسرعة قبل ان نتأخر ..

فعلت كما قلت لرودريك ، انزلته قبل وصولنا الى بوابة الجامعة ببضع خطوات ، رغم شعوري بالاحراج منه لاني كنت مضطرة ، الا انه كان متفهم جدا و رحب الصدر ، ولم ينزعج من تصرفي ، حتى انه طلب مني ان يترجل من السيارة في الشارع الثاني وليس الشارع الاول المواجه للجامعة ، كي لا اتعرض للمضايقات من قبل اصدقائي ان لمحوه معي .. كم هو رائع هذا الرودريك ..

عند دخولي الجامعة ، توجهت الى الكافتيريا حتى ارى اصدقائي واتأكد بانهم لم يلمحوني ولو بالصدفة ، وايضا منذ بدء صداقتي مع رودريك ، لاحظ الجميع تغيري وابتعادي عنهم وقلة محادثاتي معهم ، وقد كنت اتحجج بوالدي او اخبرهم باني متعبة و اتظاهر بالمرض حتى امتنع من الخروج برفقتهم ، واخرج برفقة رودريك ، لهذا قررت تعويض ما فاتني معهم ..

وهكذا .. حاولت بكل السبل الممكنة ان اوازن حياتي ، واخصص للجميع بعض من وقتي ، بدءا من عائلتي ، دراستي ، اصدقائي واخيرا رودريك .. اما أنا فلم يكن عندي وقت لنفسي سوى في الليل وانا مستلقية على فراشي ..

يتبع ...

الفصل الثالث

اجمل شيء في هذا العالم المذهل هو الاستيقاظ صباحا على انغام الطيور و الحانها المختلفة والجلوس على شرفتك او في حديقة منزلك الصغيرة مع كوب ساخن من القهوة ذات الرائحة الزكية ..
هذه الطريقة هي كتعبير شكر للرب لمنحنا هذه الحياة الهانئة والصحة الدائمة وهي ايضا رضا تام و قناعة مطلقة بما قدره لنا و كتبه علينا .

كانت هذه هي عادتي المستمرة التي تشعرني بالامان والسلام الداخلي ،لكني توقفت عن فعلها ، لقد تغيرت ، نعم تغيرت ، لم اعد تلك  المراهقة الحالمة ذات القلب النقي ، المحبة للرب و القريبة من ظله ، افترقت عنه ، لم تعد علاقتي بيسوع مثل ما كانت ..

لقد ضحى من أجلنا ودفع ثمن خطايانا لكي يرشدنا الى طريق الرب و طريق الجنة الا اننا سلكنا طريق الشيطان و اتبعناه بعد ان اغوانا وهو يزيف لنا الحقائق حتى جعل منا عصاة آثمين نتبع الباطل ونبدل اليقين بالشك ونتبع خطاه في درب الشرور وبالتالي فقد صرنا نمشي الى الجحيم بإرادتنا .

لكني لا اعلم ما سبب تغيري هذا ، أهو بسبب الشيطان كما يخبرنا بذلك دوماً رهباننا او بسببي انا ، الا اني دائما ما اجد نفسي القي باللوم على الشيطان
" مسكين هذا الشيطان الذي نلصق به كل حماقاتنا  "

اليوم هو الاحد اتفقت مع اصدقائي - بعد رفض غريب دام قرابة الساعة - ان نذهب الى الكنيسة ، كنت احتاج الى ان اصلي للرب وان يهديني الى الحق ويبين لي طريق الهدى والرشاد ، لذا توجهت بسيارتي الى كنيسة بيتراوس ( بطرس : وهو احد تلامذة يسوع )
القابعة وسط التلال المنبسطة و المراعي الخضراء مع وجود بعض المنازل الخشبية الصغيرة على الاطراف ، وكأن المشهد هذا اشبه بالجنة التي وعدنا بها الرب المؤمنين ..

كانت الكنيسة هادئة جدا من الداخل ما عدا اصداء اصوات رفاقي المزعجة وضحكاتهم الساخرة التي بددت السكون المهيب فيها ، وقد تخللتها اشعة الشمس الملونة المنعكسة من الزجاج ذا الالوان الزاهية الممتد على جانبي الجدران ، اما سقفها فقد زين بالعديد من الثريات البراقة وحاملات الشموع التي تشعل فقط في المناسبات .
كل شيء هنا يبعث فيّ السكينة و الاطمئنان وكأن الله مسح بيده على قلبي ليشعرني انه ما زال بجانبي ليساندني .

كنت انظر بعين الدهشة الى المكان الذي زرته اخر مرة عندما كان عمري في الثانية عشر ، لقد تغير كل شيء هنا كما تغيرت أنا ، الكنيسة على مايبدو انها قد اعيد بنائها من جديد ، لذا بدأت التف حول المكان و انا اطالع معالمه المذهلة حتى شدني بصري الى شيء لم اره من قبل لذا تجاهلت ثرثرة اصدقائي وابتعدت عنهم متوجهة الى هذا الصليب القائم امامي و الذي يحمل جسد يسوع المصلوب عليه ، توقفت امامه وكلي خشوع و رهبة ثم اطبقت على يديّ واغمضت عينيّ وبت اناجيه بقلبي :
" ربنا الذي في السماء ، أيها القدير المتعالي ، جئتك انا العاصية لاطلب منك مغفرتك وعفوك ، أرجوك يارب ان تسامحني وتغفر لي ذنوبي المقصودة منها وغير المقصودة ، ها أنذا اليوم أمامك فأفعل بي ما شئت وعاقبني كما تريد ، ستجدني صابرة و مؤمنة بك كما عهدتني دوما ، كن بجانبي ولا تتركني اتخبط في الظلام ، اجعلني على صراطك المستقيم ولا تجعلني اتبع صراط الشيطان ، آمين "

بعدما انتهيت رسمت شارة الصليب على جسدي والتفت الى الخلف لالحق باصدقائي الذين اختفت اصواتهم المزعجة وهذا يعني انهم غادروا المكان ، الا اني تفاجئت من وجودهم خلفي وهم صامتين ينظرون الي بغرابة ، وقد استفزني صمتهم ونظراتهم لذا صرخت بهم :
- ماذا ؟ ، ما بكم ؟

اخبرتني فيفيان بنبرة اقرب منها الى السخرية :
- لم أعلم انكِ مؤمنة بالرب وتصلين له .

تلعثمت قليلاً وانا اجيبها خوفا من ان تعلم باني لم ازر اي كنيسة منذ ان كنت صغيرة :
- هل هذا شيء غريب بالطبع انا مؤمنة به ، جميعنا مؤمنين به على طريقتنا الخاصة .

لكني تفاجئت اكثر عندما رأيتهم يطالعون بعضهم البعض بابتسامة غريبة لهذا توترت أكثر من ذي قبل ، بعدها التفت الي دانيال إذ صدمني بشدة عندما قال لي :
- نحن غير مؤمنين به .
ثم ابتسم ليكمل " على طريقتنا الخاصة "

لم أكن اعلم ذلك عن اصدقائي ، صحيح ان هناك الكثير مما لا اعرفه عنهم لكني لم اتخيل ولو للحظة انهم حسنا كما يقول البعض لا دينيين ( ملحدين)  بالطبع هذا لن يهمني فكل شخص حر بما يؤمن وبما لا يؤمن ، لكني لن انكر استيائي وحزني بعض الشيء ..

في المساء كنت قد قررت الخروج بمفردي دون ان اعلم والدتي لانها حتما ستمنعني ، قدت مسرعة نحو اللا مكان وانا اتمنى ان ابتعد عن الجميع واحظى بالسكينة والهدوء ، لا اعلم اين سأذهب المهم اني اريد الابتعاد عن البشر ، اريد الجلوس وحدي لاطالع النجوم والقمر دون ان اجد من يعكر صفو مزاجي المتعكر والذي لا اعلم سبب عكره ، ربما بسبب ما علمته اليوم عن اصدقائي ..

لم اعرف اين انا وما هذا المكان او اسمه ، فقط رأيت نفسي وحيدة على احد المرتفعات العالية وامامي مشهد مدينتي بأكملها ، وكأنها لوحة ابداعية او صورة بتقنية HD ، هادئة جدا و ساكنة غير متحركة ،  شعرت بالسعادة وقد غمرتني الفرحة و لم أكد اصدق ان الرب قد حقق لي هذه الامنية ، لكني نسيت ان مثل هذه الامنيات ابعد من ان تتحقق ، لذا وبكل بساطة كانت هذه الدراجة القادمة من بعيد هي من عكرت صفو الاجواء التي حظيت بها قبل قليل بسبب صوتها المزعج ، كنت قد قررت ان اتشاجر مع سائقها اللعين ، لكنها بعدما توقفت لم اسمع همسا او نفسا من صاحبها ، ففكرت ان هذا يعني انني لست الوحيدة التي تبحث عن الهدوء بعيدا عن البشر !

سمعت وقع اقدامه تمشي باتجاهي لذا لن افاجئ اذا قام بفتح حديث معي ، غير انني حقاً تفاجئت بعدما سمعت صوته المألوف وهو يخبرني :
- انسة والتر ما الذي تفعليه بقدومك وحدك الى هنا ؟
وقد اعادني صوته الى مشاهد يوم الجمعة التي اغاضتني وجعلتني حانقة منذ قدومي من الجامعة وحتى المساء حين استلقيت في فراشي الوثير وانا ألعن يومي بسببه

( - دعينا نقلب صفحة جديدة ارجوكِ ، انا ادعى رودريك ، رودريك فيكتور ، وانتِ ؟

- نورسين والتر .

- تشرفنا آنسة نورسين ، كنت اود ان اخبرك كم ان افعال القدر عجيبة فعلا ، فقد جعلنا نلتقي مرة اخرى ، الا انكِ لم ...

- مرة اخرى ! ، ماذا تعني ؟ هذه اول مرة اراك فيها .

- الا تذكرين التقينا في الامس ، السوق ، المصعد ، اكياسك التي وقعت .

" يا الهي اشعر اني على شفا شعرة من الجنون "

- افسح لي المجال قليلا اريد العبور .

- ماذا الى اين ستذهبين المحاضرة لم تنتهي بعد .

- لا شأن لك ، واتمنى ان لا تلحق بي .

غادرت القاعة وانا اشعر بان حرارتي قد قاربت على تخطي درجة الغليان ، لا ادري ما خطب هذا الاحمق في كل مرة اقابله يجعلني اسخط هكذا .
لم انتبه انه قد لحق بي حتى اوقفني شاداً ذراعيّ بقوة ليجعلني قريبة منه ، لاحظت انه مطبق على اسنانه يكاد يخفي غضبه هو الاخر الا انه لم يستطع فقد فضحته هاتين الزرقاوتين التين كنت احدجهما باعجاب دون ان الحظ ذلك ، غير ان قبضته التي بدأت تشتد على ساعدي لتشعرني بالالم ايقظتني من شرودي :
- لا اعلم ما سبب غضبك هذا كلما رأيتني ، لكن ان اخطأت بحقكِ اخبريني فقط لكي اتجنب فعله .

- لا اعتقد انك تريد ان تعلم ذلك.

- بل اود ذلك ، لذا اخبريني ولا تتهربي

- حسنا ، لانك فقير ، انا امقت الفقراء امثالك ، انكم كالطفيليات التي تتغذى على البشر ، لذا ابعد يدك القذرة و اترك ذراعي واياك ان تجرؤ على لمسي مجددا او حتى على الظهور امامي .

ابتعدت تاركة اياه فاغر فاه على مصراعيه ، لكنه بدل ان يغضب او يشتم صار يضحك بشكل هستيري مما جعل جميع الطلاب الواقفون في الممر يلتفتون له ويبدو عليهم معالم الصدمة ، لم استطع منع فضولي ايضا لذا توقفت وانا اطالعه بحيرة و غرابة ، كيف يستطيع الضحك بعد الذي قلته له ، هذا الرجل غريب حقا ..

اقترب مني وهو ما زال يضحك واذا به اصبح بجانبي ليهمس في اذني قبل ان يغادر :
- انصحك ان تراجعي الطبيب ، فأنت لستِ على ما يرام . )

- ما الذي جاء بك الى هنا ؟ وكيف علمت بمكاني ؟ مهلا لحظة هل كنت تتبعني ؟

- اتبعكِ ! ولماذا افعل هذا ، انني آتي دوما الى هنا ، لكن قولي لي لماذا انتِ وحدك في هذا المكان المظلم والمرتفع ، ارجوكِ اخبريني انكِ لا تودين الانتحار هنا .

- مضحك جدا ، سأغادر بما انك افسدت علي متعة السكون .

قام بإمساك يدي مرة اخرى وهو يخبرني :
- رجاءاً توقفي ، هل لي بسؤال ؟

طالعت يده بمقت شديد فعلم سبب تجهمي لذا قام بافلات ذراعي فوراً وهو يتمتم بصوت مهموس " آسف " وقد أجبته بعد ذلك :
- تفضل

ابتسم لي ابتسامة باهتة ثم قطب حاجبيه وقد تجهم وجه :
- حسنا كل ما في الامر ان الفضول يأكلني ، لماذا ؟

- لماذا ماذا ؟ لم افهم سؤالك .

- لماذا تكرهينا ؟ اقصد نحن الفقراء .

تنهدت امامه ثم جلست على اقرب صخرة اليّ ، ترددت قبل ان اجيبه ، الا اني عزمت على اجابته ولا أدري لما اشعر ان علي التحدث معه :
- اسمع لقد تربيت على هذا ، منذ صغري و والديّ ربياني على مقت الفقراء ، اخبراني ان الطبقة الفقيرة هي السبب الرئيسي في التخلف والحروب الدامية وانتشار الامراض حول العالم .

- وانتِ ماذا تعتقدين ؟

- اعتقد انهما على حق ، فانتم الفقراء لا ترضون بما لديكم ، دوما تتطلعون الى ما يملكه غيركم .

- وما الذي لدينا فنحن لا نملك شيء ، هههههه انك تذكريني بماري أنطوانيت التي اشتكى اليها الشعب لغلاء اسعار الدقيق ففاجئتهم بقولها " تناولوا الكعك "

- واو سيد مضحك لكني لا اظن بان هذه معلومة مؤكدة تحديدا
( غلاء اسعار الدقيق )

- يا الهي انها مزحة ، هل انتِ دائمة التجهم هكذا ؟

- لا شأن لك .

- حسنا دعينا من المزاح ، اخبريني هل تعرفتِ يوما على شخص فقير ؟

- لا ، ابدا .

- اذا ما أدراكِ بصحة معلوماتك ، ربما تكونين مخطئة بشأننا .

- لستُ مخطئة ، وايضا والدي لا يكذبان علي .

- لا يمكنك الحكم على شريحة كبيرة من الناس ما دمتِ لم تعرفي احدا منهم .

- ربما معك حق ، لكن لا استطيع تغيير افكاري التي اقتنعت بها منذ صغري بسهولة .

- ما رأيك ان اساعدكِ ؟

- وكيف ذلك ؟

- نكون اصدقاء ونلتقي ونتحدث كل يوم ، وبذلك تتعرفي على الطبقة الفقيرة من خلالي .

صعقت لهذا الحل الساذج :
- ماذا !! مستحيل ، انت تمزح صحيح ؟ هل تعتقد اني ساوافق على ان يكون لي صديق مثلك.

لقد تفاجئ كثيرا من ردة فعلي لذا اكتفى بالصمت الطويل ، عم السكون المكان ، بقي متسمرا في مكانه و لم يتحدث بأي كلمة وقد شعرت انه يحدق بي دون ان يشيح بصره عني ، ربما أكون قد جرحت مشاعره لهذا لم يتفوه بكلمة الا ان ذلك لا يهمني حقاً ، انه بغيض وهذا اقل ما يستحقه .

مرت دقيقة صمت بيننا اجتاحتها نسمات الهواء الباردة التي داعبت خصلات شعرنا . لكنه حطم هذا الصمت المطبق بقوله انه سيغادر . سوف يذهب دون ان ينطق بحرف لا اعلم لما اشعرني في هذا الوقت اني مذنبة بحقه . حاولت التنازل عن كبريائي قليلا لاعتذر منه الا انني لم استطع . رغم ذلك حاولت ان اغير هذه الاجواء الخانقة علي انسيه ما قلته للتو ، لذا اوقفته قبل ان يرتجل دراجته:
- مهلا هل نستطيع ان نتبادل مركبتينا ؟

- ماذا ؟ قيادة الدراجة خطرة جدا في هذه الطرق المنزلقة الى الاسفل خاصة لمن لم يركبوا دراجة من قبل .

- من قال لك اني لم اركبها ؟ لقد تعلمت قيادتها خلال سفراتي مع اصدقائي ، واراهن اني افضل منك في القيادة .

كشرت عن اسناني بابتسامة تحدي ، فما كان منه الا ان يبادلني بمثلها وهو يقذف الي مفاتيح دراجته ، ليهرول مسرعا نحو سيارتي ويقودها مبتعدا ، وانا بدوري ايضا قمت بتشغيل الدراجة والاسراع بها حتى تخطيته ، بعدما نزلت من ذلك الطريق المؤدي الى التل العالي ، توقفت انتظر وصوله وقد مرت 45 ثانية حتى وصل هو ، تقدم الي واضعا يديه في جيوب سترته وهو يبتسم :
- لستِ سيئة .

- لست سيئة ! كفاك غرورا وقل كنت مذهلة .

- اظن انه انت من يجب ان تكف عن غرورها .

قهقهت على صحة كلامه وصمت قليلا ثم دون ان انتبه شعرت بحاجتي لاخباره ذلك :
- اتعلم ، ان والدي لا يسمحان لي بممارسة ادنى حقوقي كالاستمتاع بحياتي مثل الاخرين ، لقد خططوا لحياتي منذ الصغر ، حتى انهما لم يأخذاني الى مدينة الملاهي او حدائق الحيوانات العامة ، كل ذلك كان ممنوع علي من اجل ان اصبح سيدة مثقفة من الطبقة الارستقراطية ، متنفسي الوحيد هم اصدقائي ، فقط عندما يكونوا معي يسمحان لي بالخروج والتسكع برفقتهم .

- ربما يخافان عليكِ .

قام بارتداء خوذته وهو يرتجل دراجته لكي يغادر ، و قبل ان يضغط على المكابح استدار الي وهو يقول بنبرة جافة :
- كنت اود ايضا ان اصبح صديقاً لكِ ، ولكنك رفضتِ صداقتي ، لذا اظن ان من الاجدر لي المغادرة .

شعرت لوهلة اني سوف اخسر شخص ربما لن تسنح لي الفرصة للتعرف على مثله ، لذا اظن اني مدينة لنفسي لاعرف اشياء كثيرة من الحياة ومدينة له باعتذار على كلامي الحاد ، لهذا اوقفته ثانيةً قبل ان يغادر :
- حسنا انا موافقة على ان نصبح اصدقاء لكن بشرط : ان تكون صداقتنا بالسر ، فلا اريد لأيا كان ان يعلم بذلك ، هل فهمت ؟

- حسناً ، موافق ، لكن هل استطيع سؤالك عن كون العلاقة سرية ؟

- اظنني سأحتفظ بحق الجواب لنفسي .

- فهمت ، اعتذر لفضولي .

- لا عليك .

انا على وشك اقتراف خطأ كبير ، لا أعلم ان كنت سأندم عليه او لا ، سأترك ذلك الى الزمن ، فهو كفيل بمفاجئتنا .
بعدها قدت مسرعة الى المنزل ، فلقد تأخرت كثيرا ولا اريد لأليسا الحمقاء ان تقلق لانها ستذهب لاخبار امي ، وبالطبع امي ستقدم لي محاضرة في السلوك والآداب العامة التي من واجب الأبنة الارستقراطية اتباعها .