المدونة لنشر الروايات

الثلاثاء، 8 مايو 2018

الفصل الخامس

" احيانا المرء لا يملك القدرة وروح المبادرة لبدء شيء وحده "
الدوس هكسلي

ثمة سؤال يشغل عقلي دوما كلما كبرت وازددت وعياً ، ما الذي يجعل الحياة أجمل ؟ حتما ليس الثراء ولا الوجه الحسن ولا حتى تحقيق الاحلام ، بل البساطة ، فان تكون حياتك بسيطة خالية من التعقيدات والعقبات والمشاكل التي تكدر صفو مزاجك المتقلب، هو ما يجعلها جميلة ، هذا ما اكتشفته مؤخرا مع مرور شهر على بدء صداقتنا انا و رودريك ...
كنت اشعر معه بالغبطة والسرور دون ان اعلم لماذا اصبح سعيدة برفقته ، كان هناك شعور طاغي ينتابني وهو قربي ، احساس مفعم بالامان والسلام الداخلي ، كنت اشعر وانا معه بأن الحياة تبدو على بساطتها و جمالها دون تكلف او بهرجة مزيفة او تصنع ..
حتى انا كنت نورسين الانسانة فحسب لا الفتاة الثرية المتعجرفة ولا حتى شخصية اخرى متصنعة لكي اثير اعجابه كما افعل مع اصدقائي الاخرين ..
اصبحنا نخرج معا في المساء فقط - وذلك لظروف تخصني - نزور اماكن عديدة لم ازرها قط مع رفاقي اولئك . اما تلة جبل او الى ساحل بحر او مطعم بسيط يحضر اشهى الاطباق الشعبية التي لم اتذوقها ولم اسمع بها يوما ، او نتسلل الى قاعات السينما الفارغة نشاهد افلاما رومانسية يفضلها رودريك واحيانا افلام الرعب التي افضلها ، وفي بعض المرات نتشاجر معا  لاني احب مشاهدة الرعب وهو لا يفضلها وايضا هي ترعبه وتخيفه ، لذلك انا استهزأ به دوما ..

اتذكر مدى صدمتي به حين اخبرني اول مرة انه يخاف افلام الرعب ولم يشاهد فيلما مرعبا قط ، قلت له والدهشة تعتلي ملامحي :
- انت شخص غريب بطريقة مضحكة ، كيف لرجل انا يهاب مشاهدة افلام الرعب ويفضل عليها الافلام الرومانسية الكلاسيكية المملة. 

- وماذا سوف استفيد م̷ن مشاهدة فيلمٍ مرعب ، وشبح ينتقم من اناس ظلموه قبل موته،  لن يزيدني هذا الا قرف واشمئزاز .

يومها ابتسمت ساخرة على طريقة قوله للجملة الاخيرة وهو يمثل كيف يشمئز الانسان من شيء ما يدعوه الى التقيء ثم سألته :
- حسنا اجبني انت ، وماذا سوف تستفيد من مشاهدة فيلم رومانسي يتحدث عن اثنين يقعان بحب بعضهما ثم يفترقان او يموت احدهما او ربما يحالفهما الحظ ويتزوجان ليتطلقا بعد ان ينجبا طفلا ؟ !

- الخبرة يا سيدتي الخبرة ، ساصبح خبير بالعلاقات الغرامية وستلجأ لي جميع الفتيات لحل مشاكلهن المستعصية. 

- ههههههه انت حقا أحمق كبير  ، ولماذا تهتم بمشاكلهن الخاصة ؟

- لانكن مظلومات ، وانا لا احب الظلم .

- مظلومات ! نحن ! حقا ؟

- نعم انتن .

- بماذا مظلومات ؟

- بصورة عامة اغلبكن لا يسمح لكن باتخاذ قرارات تخص حياتكن الخاصة ، لابد من وجود احدهم للتحكم بكن وتسييركن وفق ارادته هو ، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى بعض الرجال الذين تعشقوهم يحاولون استغلال مشاعركن الجياشة لتحقيق مآربهم الخبيثة او يحطمون قلوبكن ثم يهجرونكن ، وقتها تحتاج الفتيات لمرشد او ناصح يحاول مساعدتهن وانا خير ناصح بقلب سليم لا يعرف الاستغلال .

- واو ، ادهشتني فلسفتك .

- جميل ان تعجبك فلسفتي ، فهذا يسعدني جدا .

تسائلت وقتها :
هل انا مظلومة ايضا ؟
ورغم اني اعرف الجواب لكني آثرت الصمت على نفسي ولم اجب عن هذا التساؤل .

في ذلك النهار عدت الى منزلي وانا مشغولة البال عقلي مزدحم بالافكار والاسئلة ، دون ان القي التحية على والدتي التي كانت جالسة برفقة صديقاتها ، حتى ان الجميع كان يناديني ، الخادمة ، امي وصديقاتها لكني لم الحظ ذلك ، توجهت مباشرة الى غرفتي كنت اود الاستلقاء على سريري ، كنت اشعر بتعب و وهن كبير في جسدي دون ان اعلم السبب ، وانا اردد في عقلي ذلك التساؤل الغريب :
‏" هل انا مظلومة ، هل حقا انا مظلومة ، هل انا مظلومة فعلا "

وبينما كنت على هذه الحالة المخدرة ، اجتاحت والدتي الغرفة دون ان تطرق الباب حتى ، وهي غاضبة الى اقصى حد :
- كيف تحرجيني بهذا الشكل امام صديقاتي ، هيا اذهبي حالا لتعتذري منهن وتلقي التحية .

وبالرغم من سماعي لها وفهم ما قالته ، الا اني فضلت الصمت ولم اجبها :
- نورسين الم تسمعي ما قلت ، هل تتجاهلين كلامي عمداً ؟

- ‏نورسين ما بالك لما لا تردي علي ؟

- ارجوك امي دعيني وشأني فقط لمرة واحدة ارجوك ، انا متعبة جدا .

- ماذا ؟ هذه اول مرة تعصين فيها اوامري !

- لم اعصي اوامرك ، فقط انا متعبة واطلب الراحة ، هل طلبت الكثير ؟

- اسمعي يا ابنتي ، لا راحة قبل ان تنهضي وتذهبي الى الضيوف وتلقي التحية عليهم ، وكذلك تعتذرين على عدم انتباهك فهذا غير لائق بحقهم ويعتبر اهانة للضيف ..

قلت بنفاذ صبر و بنبرة اقرب الى الصراخ :
- لكنهن لسن من الضيوف مهمين ، هن صديقاتك وكل يوم يجتمعن معك في هذا الوقت المتأخر ..

هنا فقط ظهر لي صوت اخر لوالدتي لم اسمعه من قبل :
- ان لم تنهضي حالا سترين مني ما لا يسرك ابدا .

استسلمت خانعة مجبرة :
- حاضر .

في الحقيقة هذه النبرة الغريبة ارعبتني ، انا اعلم ان امي تملك مزاج حاد ، لذا اطعتها دون ان اجادلها وفعلت كما طلبت مني ، ثم عدت الى غرفتي واستلقيت على فراشي ، وغرقت في نوم عميق .

في صباح اليوم التالي ، غادرت المنزل الى جامعتي مسرعة ، كي لا تلحظني والدتي وتبدأ بتوبيخي ثم تلقي علي محاضرة طويلة بسبب ما فعلته في الامس ، لكني توجهت الى منزل رودريك اولا ، كي أقله معي ..

كان منزلا بسيطا جدا ، يقيم فيه مع صديقين يعملان سويا معه في تصليح الاجهزة الكهربائية
‏لحسن حظي لمحته امامي ، وقد خرج لتوه وهو يهم بالركوب على ظهر الدراجة ، قدت السيارة مسرعة ثم توقفت مباشرة امام دراجته ..
لن أستطيع وصف فرحته الكبيرة برؤيتي وانا اقف امامه وبالقرب من منزله أيضا ..

- صباح الخير رودريك .

- واو ، يا لها من مفاجئة سارة في هذا الصباح

- وانا في طريقي الى الجامعة ، خطرت ببالي فكرة ايصالك معي ..

- هذه الفكرة غمرتني بالسعادة حقيقة ، لكن ماذا لو شاهدنا اصدقائك ، هل ستستطيعين مواجهتهم او تفسير ذلك لهم ..

- وهل تظنني حمقاء ، كي لا افكر في ذلك ، وقد قررت ان لم تمانع طبعا ان انزلك قبل ان نصل ..

- كل ما يهمني ان استمتع برفقتك ، رغم انك فعلا حمقاء  ..

- كف عن تفاهتك و هيا اركب بسرعة قبل ان نتأخر ..

فعلت كما قلت لرودريك ، انزلته قبل وصولنا الى بوابة الجامعة ببضع خطوات ، رغم شعوري بالاحراج منه لاني كنت مضطرة ، الا انه كان متفهم جدا و رحب الصدر ، ولم ينزعج من تصرفي ، حتى انه طلب مني ان يترجل من السيارة في الشارع الثاني وليس الشارع الاول المواجه للجامعة ، كي لا اتعرض للمضايقات من قبل اصدقائي ان لمحوه معي .. كم هو رائع هذا الرودريك ..

عند دخولي الجامعة ، توجهت الى الكافتيريا حتى ارى اصدقائي واتأكد بانهم لم يلمحوني ولو بالصدفة ، وايضا منذ بدء صداقتي مع رودريك ، لاحظ الجميع تغيري وابتعادي عنهم وقلة محادثاتي معهم ، وقد كنت اتحجج بوالدي او اخبرهم باني متعبة و اتظاهر بالمرض حتى امتنع من الخروج برفقتهم ، واخرج برفقة رودريك ، لهذا قررت تعويض ما فاتني معهم ..

وهكذا .. حاولت بكل السبل الممكنة ان اوازن حياتي ، واخصص للجميع بعض من وقتي ، بدءا من عائلتي ، دراستي ، اصدقائي واخيرا رودريك .. اما أنا فلم يكن عندي وقت لنفسي سوى في الليل وانا مستلقية على فراشي ..

يتبع ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق