المدونة لنشر الروايات

الثلاثاء، 8 مايو 2018

الفصل الاول

" المال في بعض الأحوال يتيح للإنسان أن ينعم باستقلال شخصيته وحرية رأيه. "
دوستويفسكي

لطالما شعرت ان هناك خطأ ما فيّ ، لكني لم اكن بهذا القدر من الاهتمام بشخصي المتعجرف ، دائما ما كنت ارى انني على حق ، ولا شيء يعيبني ، ولا شأن للثقة هنا ، ابدا ، بل لاني الى الآن لم اجد من يجرؤ على انتقادي او اهانتي ، على الرغم من قسوتي و جفائي مع الاخرين ...

لربما لست انا المخطئة ، ففي النهاية انا اتصرف كما علماني والداي منذ صغري ، فقد ولدت بين عائلة ثرية جدا ذات مكانة مرموقة بين الناس ، والدي رجل أعمال معروف و هو أيضا أحد اعضاء البرلمان البريطاني من مجلس العموم ، اما والدتي فهي ناشطة اعلامية و محررة في جريدة سياسية تصدر اسبوعياً ، اذا فكما يقال لقد ولدت وملعقة من ذهب داخل فمي ، في منزل اشبه بالقصر ، يسكنه شابة منعزلة مع شبح أبويها الغائبان دوما و خادمة بلهاء وأيضا سائق عجوز تجاوز الخمسين ..

ولدت في لندن لكني اعيش حالياً في برايتون وهي مدينة ساحلية تقع في اقليم شرق ساسكس في جنوب شرق بريطانيا ...

قد يراود الناس سؤال غريب : ما أكثر شيء تكرهه في الحياة ؟

البعض سيجيب المرض ، الموت ، رحيل من نحب ، خيانة حبيب ، غدر صديق ستتعدد الاجوبة ، اما أنا فجوابي صادم للكثير ، الفقراء ، نعم الفقراء أكرههم جدا واتمنى لو املك القدرة لمحيت اثرهم من على أديم هذه الارض ...

لقد ترعرعت منذ صغري على كراهية البشر تحديداً ( الطبقة الفقيرة ) فهؤلاء وصمة عار على البشرية ، لانهم السبب الرئيسي في انتشار التخلف والامراض والحروب ، وعلى الرغم من انني لا أعلم ما مدى صحة هذه المعلومة ، و طوال فترة دراستي ، لم اجد كتاباً واحداً يخبرنا بذلك ، لكني اعلم جيدا ان الكتب التي ندرسها لا تخبرنا الحقيقة ، و انا واثقة تماما ان كل ما يقوله لي والداي صحيح و موثوق على عكس الكتب التي تجاملنا وتصور لنا ان الفقراء دائما هم الضحايا و الاغنياء مجرمين ، إذ ان أبي و امي اعلم مني بحال الناس فهما بحسب خبرتهما في الحياة يستطيعان سبر اغوار النفس البشرية وفهمها أكثر مني ، لذا فقد ايقنت و آمنت ان الفقراء هم سبب كل حادثة و مصيبة ، لا اعلم ما سبب وجودهم في هذا العالم و ما هو دورهم بالضبط ، برأيي هم لا يستحقون الحياة ، لانهم لن يعرفوا قيمتها أبدا ، فهم يقضون معظم سنينهم في البكاء والعويل ، لا يوجد طعام ، لا يوجد ماء ، لا نملك المال ، و قد يصدقهم البعض ويرأف لحالهم ، لكن سبب تذمرهم واضح ، فالفقير دائما يتطلع الى ما عند غيره فيحسده و يطمع بما يملك ، صباحٌ مساءً يناجي الرب ليرزقه ، ويقدم الاضحية والقرابين له تزلفا و توددا ، فإن لم يستجب الرب دعوته و لم يحقق له ما يريده ، يحنق عليه ، و يسارع الى سرقة الغني او ربما حتى قتله من أجل المال و الطعام ، امرٌ يثير اشمئزازي حقيقةً ، دون ادنى الشفقة ....

قد يستطيع اي أحد تخمين : اني عشت وحيدة دون أصدقاء مقربين او اخوة و اخوات ، وحيدة أبواي و مدللتهم ، و لا يهمني ما هو شعور من لا يملك اخاً او صديقاً لكن بالنسبة لي انا راضية بوحدتي وسعيدة بها ، فأنا لا اخرج كثيرا من المنزل ، اولا : لان والداي يخافان علي و ثانيا : انا لا احب مخالطة البشر ...

في الحقيقة انا امقتهم كلهم ، لا أستطيع تحمل نفاقهم و ثرثرتهم و شكواهم الدائمة ، وقد اكتفيت باشخاص معينين ، احتسبتهم اصدقاء لي من أبناء طبقتي ، و ممن يملكون نفس طباعي و تفكيري ، وهؤلاء لا اشعر اني احبهم وايضا انا لا اكرههم ، فقط اجالسهم لانهم ليسوا مثيري الشفقة كغيرهم ، كذلك نحن ندرس معاً في جامعة برايتون كمجموعة طلاب متميزين و اكثرنا شعبية ، رغم اننا لسنا محبوبين ، فالجميع يعتبرنا اشخاص مغرورين نعشق المظاهر الخداعة والفانية التي لا يملكوها ، لذا فانهم يحسدونا او يكرهونا ، هذا ما تبرع به الانفس الفقيرة ، نحن الاغنياء عندما نعلم بأن احدنا قد اشترى سيارة حديثة مثلا ، نسارع الى شراء سيارة احدث واجمل من سيارته ، بينما الفقير المعدم لا يقدر على شراء السيارة فهو عندها لن يستطيع فعل شيء سوا كرهنا والحنق علينا او إيذائنا بافعاله و اقواله ..

******

استيقظت من سباتي العميق على اثر تلك الطرقات الشديدة على باب غرفتي ، يا الهي انها الخادمة الغبية ، اعلم ان امي من تطلب منها ازعاجي بهذا الشكل حتى استيقظ ، فنومي ثقيل لذلك انا احتاج لمثل تلك المبادرات المزعجة حتى استسلم وانهض من سريري ، توجهت صوب الباب وانا اشعر بثقل جفناي و خمول جسدي الضعيف ، الذي يطالبني بجرعة اضافية من النوم ...

قمت بفتحه وانا ما زلت ادعك عيناي لاصرخ بضجر واضح :
- بحق الرب أليسا الغبية ، الا يمكنك رفض أوامر والدتي ولو مرة ؟

- آسفة آنستي ، فقد طلبت مني السيدة والتر ان ايقظك لترافقيها الى السوق ..

- السوق !!

صحيح ، تذكرت ان غدا اليوم الدراسي الاول لسنتي الثالثة في الجامعة ، لذا وعدتني والدتي ان تأخذني الى السوق لابتاع لي ثياب جديدة ، فلابد من الاهتمام بمظهري و ملبسي ، لانني من اهم اعضاء الرابطة الطلابية المختارة لتمثيل جامعتنا في المناسبات و المسابقات العديدة و حفلات الجوائز التكريمية :
- حسنا اخبريها ان تنتظر 5 دقائق ..

نزلت من السلم لارى والدتي جالسة امامي على مائدة الطعام تحتسي قهوتها وتطالع الجريدة باهتمام بالغ ، لكنها سرعان ما حولت ناظريها الي لترتسم على وجهها ابتسامة راضية :
- صباح الخير صغيرتي

اجبتها وانا ابادلها الابتسامة ذاتها :
- صباح الخير امي ، الن نذهب الان ؟

ردت دون ان ترفع عينها عن الجريدة :
- تناولي افطارك عزيزتي ، لا تتعجلي ، بالمناسبة فستانك جميل جدا ، لكنه لا يناسب تسريحتك .

صمت دون ان اقول شيئا لها ، رغم اني احب والدتي و احترم رأيها و ذوقها الا اني افضل ان افعل ما احبه انا ، فستاني القصير هذا ذا اللون الازرق يناسب تسريحة شعري الاسود

*******

طوال طريقنا الى السوق المركزي ، و امي لم تتحدث معي بكلمة ، جل تركيزها على ايبادها تتحدث مع مساعديها في الجريدة ..
كنت فيما مضى انزعج كثيرا ، و احزن لانها لا تعيرني اي اهتمام ولا تغدقني بحنانها و عطفها كباقي الامهات ، اما الآن فلم اعد تلك الطفلة الصغيرة ولم تعد مثل تلك الامور تزعجني ، بل على العكس انا اعيش في عالمي الخاص و هي لها عالمها هي وأبي ، بمناسبة ذكر أبي فقد اشتقت له حقاً لم أره منذ اسبوع بسبب انشغاله بعمله ، وما يتحتم عليه من مسؤولية كبيرة تجاه وطنه و شعبه ، فقلما نراه ، فقط في أيام الآحاد يأتي لزيارتنا ، التفت نحو والدتي لاسألها عنه ، لكن قاطعني صوت السائق ليخبرنا اننا وصلنا ، و قبل ان انزل من السيارة ، فاجأتني والدتي بقولها :
- سأنتظرك هنا ، اذهبي و اشتري ما تريه مناسب لكِ

- لكن امي ، لما لا تأتي معي ؟

صار صوتها جاف و حاد قليلا و تغيرت نظرتها لتصبح قاسية :
- قلت سأنتظركِ هنا ، لا تجادليني أكثر .

في الحقيقة انا أعلم سبب غضب والدتي و رفضها لمرافقتي ، فهي تكره الاختلاط بالفقراء ذوي الطبقة المقفرة ، فهم لا يأتون الى هنا للتبضع بل لمشاهدة الاشياء التي يحلمون بشراءها او ربما لسرقتها من يعلم ، قد يسأل البعض ان كنتم تكرهون الفقراء الى هذه الدرجة ، فلماذا قمتم بتوظيف هذا السائق و تلك الخادمة الغبية ؟ الجواب سهل جدا : نحن لا نكره الفقراء ذوي الطبقة المتوسطة ، هؤلاء لا يشبهوا اولئك المخيفين من الأراذل ، فسائقنا رجل مثقف و متعلم ، و كذلك أليسا فهي ابنة خادمتنا القديمة و مربيتي ، السيدة روكسانا ، لكن بعد مرضها المزمن ارسلت الينا ابنتها لتقوم باعمالها في منزلنا ، ولان والدتي لم تشأ ان تحرج السائق بحديثها عن الفقراء فلم تجبني ولهذا غضبت .

عند دخولي الى بوابة السوق ، شدني بصري نحو 3 شبان يقفون على مقربة من المصعد ، اظنهم كانوا يحاولون اصلاحه وهذا واضح من أدوات الصيانة التي يمسكوها ، وما كدت اصل الى المصعد حتى كدت اتقيأ ، لان رائحة الغاز و زيت المحركات تفوح منهم ، و ملابسهم متسخة جدا ، مملوءة بالبقع الزيتية والطينية ...

( يا للقرف ، كيف يسمحون لهم بالدخول بهذا المظهر المثير للشفقة ، ثم الم يكن بإمكانهم مهاتفة شركات الصيانة لتزودهم بخبراء ذوي مظهر نظيف ، لا يهم لما اشغل نفسي بأمر لا يعنيني )

بعد شرائي لكل ما يلزمني من ملابس و احذية و حقائب ، حاولت النزول من المصعد الاخر ، حتى تعثرت قدماي وسقطت كل الاكياس من يدي ، لارى أحد هؤلاء العمال الثلاث يهرع الى مساعدتي :
- هل انتِ بخير يا آنسة ؟

لم أستطع الكلام اشعر بثقل في لساني فقط اكتفيت بهز رأسي ، لاجده قد انحنى ليلملم اغراضي

( لا أرجوك ابتعد ، لست بحاجة لمساعدة منك ، يا الهي ، يده يقطر منها الزيت و تلك الرائحة القوية تصيب انفي بالحكة )

وما ان انتهى من تجميع الاكياس حتى اخبرني :
- دعيني اوصلهم الى سيارة الاجرة

وهنا انتفض عقلي رافضا هذه الفكرة ، لاحدثه بنبرة جافة خالية من الامتنان :
- لا داعي لذلك ، عد الى عملك واهتم بشؤونك .

ما فاجئني لم يكن غضبه او انزعاجه بل رده الهادئ لي وهو يبتسم وكانني شكرته :
- كما تشائين ، اعتذر لتطفلي انستي ، طاب صباحك

وغادر ليكمل عمله مع الآخرين ، اما انا فاستلمت منه اغراضي لاحملها بمنديل حتى لا تقع يدي على بقع الزيت و تتلوث ، و تقدمت نحو الباب امشي الهوينى بتخايلٍ و فخورٍ ..

بعد ان صعدت على متن السيارة ، لاحظت والدتي استهجاني ولم تسأل لكنها عرضت علي فكرة استساغها قلبي فورا :
- عزيزتي الا تفكري بتغيير لون شعرك الاسود ، لما لا تجربي لوناً آخر غيره .

لاجد ان معالم وجهي القاطبة قد انفرجت اساريرها بعد الذي واجهني في السوق وانا اجيبها :
- أجل امي فكرة رائعة ، احتاج الى مظهر جديد و قصة شعر جديدة .

******

بعد عودتنا الى المنزل ، شاهدت سيارة والدي مركونة داخل الحديقة ، لانطلق مباشرة نحو الداخل ، وقد كان ذاهباً نحو مكتبه لكني اوقفته فورا وانا اركض باتجاهه ، حتى تعلقت به لاحتضنه بقوة ، وهو يبادلني بالمثل ليقول لي فورا :
- اعجبتني صبغة شعرك الاشقر فهي تناسبك أكثر من الاسود

- حقا ! لكن والدتي لم تعجبها !

- الرحمة ! منذ متى اعجبها شيء .

وقد فاجئته وهي تقول له مبتسمة :
- هكذا إذاً ؟ احقاً تريد ان تعلم ؟

أبي : نعم هههه

امي : منذ ان تزوجتك عزيزي هههه

لم يستطع والدي كتم ضحكته بعد هزيمته لذا تقدم اليها ليحتضنها و يقبلها بتوقٍ شديد ، اما انا فقد اتجهت لغرفتي لارتب ملابسي الجديدة بعد ان اوصيت السائق بتسليمها لأليسا كي تجلبها لي ...

لم يكن هناك امرا مهم كي افعله في تلك الساعات المتبقية على انتهاء اليوم لذا بدأت اتحدث مع زملائي حتى نتفق على مكان لقائنا غدا ، ثم بعد انتهائي تناولت أحد الكتب لابدأ بقراءته حتى باغتني النوم وغططت في نوم عقيم ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق