اجمل شيء في هذا العالم المذهل هو الاستيقاظ صباحا على انغام الطيور و الحانها المختلفة والجلوس على شرفتك او في حديقة منزلك الصغيرة مع كوب ساخن من القهوة ذات الرائحة الزكية ..
هذه الطريقة هي كتعبير شكر للرب لمنحنا هذه الحياة الهانئة والصحة الدائمة وهي ايضا رضا تام و قناعة مطلقة بما قدره لنا و كتبه علينا .
كانت هذه هي عادتي المستمرة التي تشعرني بالامان والسلام الداخلي ،لكني توقفت عن فعلها ، لقد تغيرت ، نعم تغيرت ، لم اعد تلك المراهقة الحالمة ذات القلب النقي ، المحبة للرب و القريبة من ظله ، افترقت عنه ، لم تعد علاقتي بيسوع مثل ما كانت ..
لقد ضحى من أجلنا ودفع ثمن خطايانا لكي يرشدنا الى طريق الرب و طريق الجنة الا اننا سلكنا طريق الشيطان و اتبعناه بعد ان اغوانا وهو يزيف لنا الحقائق حتى جعل منا عصاة آثمين نتبع الباطل ونبدل اليقين بالشك ونتبع خطاه في درب الشرور وبالتالي فقد صرنا نمشي الى الجحيم بإرادتنا .
لكني لا اعلم ما سبب تغيري هذا ، أهو بسبب الشيطان كما يخبرنا بذلك دوماً رهباننا او بسببي انا ، الا اني دائما ما اجد نفسي القي باللوم على الشيطان
" مسكين هذا الشيطان الذي نلصق به كل حماقاتنا "
اليوم هو الاحد اتفقت مع اصدقائي - بعد رفض غريب دام قرابة الساعة - ان نذهب الى الكنيسة ، كنت احتاج الى ان اصلي للرب وان يهديني الى الحق ويبين لي طريق الهدى والرشاد ، لذا توجهت بسيارتي الى كنيسة بيتراوس ( بطرس : وهو احد تلامذة يسوع )
القابعة وسط التلال المنبسطة و المراعي الخضراء مع وجود بعض المنازل الخشبية الصغيرة على الاطراف ، وكأن المشهد هذا اشبه بالجنة التي وعدنا بها الرب المؤمنين ..
كانت الكنيسة هادئة جدا من الداخل ما عدا اصداء اصوات رفاقي المزعجة وضحكاتهم الساخرة التي بددت السكون المهيب فيها ، وقد تخللتها اشعة الشمس الملونة المنعكسة من الزجاج ذا الالوان الزاهية الممتد على جانبي الجدران ، اما سقفها فقد زين بالعديد من الثريات البراقة وحاملات الشموع التي تشعل فقط في المناسبات .
كل شيء هنا يبعث فيّ السكينة و الاطمئنان وكأن الله مسح بيده على قلبي ليشعرني انه ما زال بجانبي ليساندني .
كنت انظر بعين الدهشة الى المكان الذي زرته اخر مرة عندما كان عمري في الثانية عشر ، لقد تغير كل شيء هنا كما تغيرت أنا ، الكنيسة على مايبدو انها قد اعيد بنائها من جديد ، لذا بدأت التف حول المكان و انا اطالع معالمه المذهلة حتى شدني بصري الى شيء لم اره من قبل لذا تجاهلت ثرثرة اصدقائي وابتعدت عنهم متوجهة الى هذا الصليب القائم امامي و الذي يحمل جسد يسوع المصلوب عليه ، توقفت امامه وكلي خشوع و رهبة ثم اطبقت على يديّ واغمضت عينيّ وبت اناجيه بقلبي :
" ربنا الذي في السماء ، أيها القدير المتعالي ، جئتك انا العاصية لاطلب منك مغفرتك وعفوك ، أرجوك يارب ان تسامحني وتغفر لي ذنوبي المقصودة منها وغير المقصودة ، ها أنذا اليوم أمامك فأفعل بي ما شئت وعاقبني كما تريد ، ستجدني صابرة و مؤمنة بك كما عهدتني دوما ، كن بجانبي ولا تتركني اتخبط في الظلام ، اجعلني على صراطك المستقيم ولا تجعلني اتبع صراط الشيطان ، آمين "
بعدما انتهيت رسمت شارة الصليب على جسدي والتفت الى الخلف لالحق باصدقائي الذين اختفت اصواتهم المزعجة وهذا يعني انهم غادروا المكان ، الا اني تفاجئت من وجودهم خلفي وهم صامتين ينظرون الي بغرابة ، وقد استفزني صمتهم ونظراتهم لذا صرخت بهم :
- ماذا ؟ ، ما بكم ؟
اخبرتني فيفيان بنبرة اقرب منها الى السخرية :
- لم أعلم انكِ مؤمنة بالرب وتصلين له .
تلعثمت قليلاً وانا اجيبها خوفا من ان تعلم باني لم ازر اي كنيسة منذ ان كنت صغيرة :
- هل هذا شيء غريب بالطبع انا مؤمنة به ، جميعنا مؤمنين به على طريقتنا الخاصة .
لكني تفاجئت اكثر عندما رأيتهم يطالعون بعضهم البعض بابتسامة غريبة لهذا توترت أكثر من ذي قبل ، بعدها التفت الي دانيال إذ صدمني بشدة عندما قال لي :
- نحن غير مؤمنين به .
ثم ابتسم ليكمل " على طريقتنا الخاصة "
لم أكن اعلم ذلك عن اصدقائي ، صحيح ان هناك الكثير مما لا اعرفه عنهم لكني لم اتخيل ولو للحظة انهم حسنا كما يقول البعض لا دينيين ( ملحدين) بالطبع هذا لن يهمني فكل شخص حر بما يؤمن وبما لا يؤمن ، لكني لن انكر استيائي وحزني بعض الشيء ..
في المساء كنت قد قررت الخروج بمفردي دون ان اعلم والدتي لانها حتما ستمنعني ، قدت مسرعة نحو اللا مكان وانا اتمنى ان ابتعد عن الجميع واحظى بالسكينة والهدوء ، لا اعلم اين سأذهب المهم اني اريد الابتعاد عن البشر ، اريد الجلوس وحدي لاطالع النجوم والقمر دون ان اجد من يعكر صفو مزاجي المتعكر والذي لا اعلم سبب عكره ، ربما بسبب ما علمته اليوم عن اصدقائي ..
لم اعرف اين انا وما هذا المكان او اسمه ، فقط رأيت نفسي وحيدة على احد المرتفعات العالية وامامي مشهد مدينتي بأكملها ، وكأنها لوحة ابداعية او صورة بتقنية HD ، هادئة جدا و ساكنة غير متحركة ، شعرت بالسعادة وقد غمرتني الفرحة و لم أكد اصدق ان الرب قد حقق لي هذه الامنية ، لكني نسيت ان مثل هذه الامنيات ابعد من ان تتحقق ، لذا وبكل بساطة كانت هذه الدراجة القادمة من بعيد هي من عكرت صفو الاجواء التي حظيت بها قبل قليل بسبب صوتها المزعج ، كنت قد قررت ان اتشاجر مع سائقها اللعين ، لكنها بعدما توقفت لم اسمع همسا او نفسا من صاحبها ، ففكرت ان هذا يعني انني لست الوحيدة التي تبحث عن الهدوء بعيدا عن البشر !
سمعت وقع اقدامه تمشي باتجاهي لذا لن افاجئ اذا قام بفتح حديث معي ، غير انني حقاً تفاجئت بعدما سمعت صوته المألوف وهو يخبرني :
- انسة والتر ما الذي تفعليه بقدومك وحدك الى هنا ؟
وقد اعادني صوته الى مشاهد يوم الجمعة التي اغاضتني وجعلتني حانقة منذ قدومي من الجامعة وحتى المساء حين استلقيت في فراشي الوثير وانا ألعن يومي بسببه
( - دعينا نقلب صفحة جديدة ارجوكِ ، انا ادعى رودريك ، رودريك فيكتور ، وانتِ ؟
- نورسين والتر .
- تشرفنا آنسة نورسين ، كنت اود ان اخبرك كم ان افعال القدر عجيبة فعلا ، فقد جعلنا نلتقي مرة اخرى ، الا انكِ لم ...
- مرة اخرى ! ، ماذا تعني ؟ هذه اول مرة اراك فيها .
- الا تذكرين التقينا في الامس ، السوق ، المصعد ، اكياسك التي وقعت .
" يا الهي اشعر اني على شفا شعرة من الجنون "
- افسح لي المجال قليلا اريد العبور .
- ماذا الى اين ستذهبين المحاضرة لم تنتهي بعد .
- لا شأن لك ، واتمنى ان لا تلحق بي .
غادرت القاعة وانا اشعر بان حرارتي قد قاربت على تخطي درجة الغليان ، لا ادري ما خطب هذا الاحمق في كل مرة اقابله يجعلني اسخط هكذا .
لم انتبه انه قد لحق بي حتى اوقفني شاداً ذراعيّ بقوة ليجعلني قريبة منه ، لاحظت انه مطبق على اسنانه يكاد يخفي غضبه هو الاخر الا انه لم يستطع فقد فضحته هاتين الزرقاوتين التين كنت احدجهما باعجاب دون ان الحظ ذلك ، غير ان قبضته التي بدأت تشتد على ساعدي لتشعرني بالالم ايقظتني من شرودي :
- لا اعلم ما سبب غضبك هذا كلما رأيتني ، لكن ان اخطأت بحقكِ اخبريني فقط لكي اتجنب فعله .
- لا اعتقد انك تريد ان تعلم ذلك.
- بل اود ذلك ، لذا اخبريني ولا تتهربي
- حسنا ، لانك فقير ، انا امقت الفقراء امثالك ، انكم كالطفيليات التي تتغذى على البشر ، لذا ابعد يدك القذرة و اترك ذراعي واياك ان تجرؤ على لمسي مجددا او حتى على الظهور امامي .
ابتعدت تاركة اياه فاغر فاه على مصراعيه ، لكنه بدل ان يغضب او يشتم صار يضحك بشكل هستيري مما جعل جميع الطلاب الواقفون في الممر يلتفتون له ويبدو عليهم معالم الصدمة ، لم استطع منع فضولي ايضا لذا توقفت وانا اطالعه بحيرة و غرابة ، كيف يستطيع الضحك بعد الذي قلته له ، هذا الرجل غريب حقا ..
اقترب مني وهو ما زال يضحك واذا به اصبح بجانبي ليهمس في اذني قبل ان يغادر :
- انصحك ان تراجعي الطبيب ، فأنت لستِ على ما يرام . )
- ما الذي جاء بك الى هنا ؟ وكيف علمت بمكاني ؟ مهلا لحظة هل كنت تتبعني ؟
- اتبعكِ ! ولماذا افعل هذا ، انني آتي دوما الى هنا ، لكن قولي لي لماذا انتِ وحدك في هذا المكان المظلم والمرتفع ، ارجوكِ اخبريني انكِ لا تودين الانتحار هنا .
- مضحك جدا ، سأغادر بما انك افسدت علي متعة السكون .
قام بإمساك يدي مرة اخرى وهو يخبرني :
- رجاءاً توقفي ، هل لي بسؤال ؟
طالعت يده بمقت شديد فعلم سبب تجهمي لذا قام بافلات ذراعي فوراً وهو يتمتم بصوت مهموس " آسف " وقد أجبته بعد ذلك :
- تفضل
ابتسم لي ابتسامة باهتة ثم قطب حاجبيه وقد تجهم وجه :
- حسنا كل ما في الامر ان الفضول يأكلني ، لماذا ؟
- لماذا ماذا ؟ لم افهم سؤالك .
- لماذا تكرهينا ؟ اقصد نحن الفقراء .
تنهدت امامه ثم جلست على اقرب صخرة اليّ ، ترددت قبل ان اجيبه ، الا اني عزمت على اجابته ولا أدري لما اشعر ان علي التحدث معه :
- اسمع لقد تربيت على هذا ، منذ صغري و والديّ ربياني على مقت الفقراء ، اخبراني ان الطبقة الفقيرة هي السبب الرئيسي في التخلف والحروب الدامية وانتشار الامراض حول العالم .
- وانتِ ماذا تعتقدين ؟
- اعتقد انهما على حق ، فانتم الفقراء لا ترضون بما لديكم ، دوما تتطلعون الى ما يملكه غيركم .
- وما الذي لدينا فنحن لا نملك شيء ، هههههه انك تذكريني بماري أنطوانيت التي اشتكى اليها الشعب لغلاء اسعار الدقيق ففاجئتهم بقولها " تناولوا الكعك "
- واو سيد مضحك لكني لا اظن بان هذه معلومة مؤكدة تحديدا
( غلاء اسعار الدقيق )
- يا الهي انها مزحة ، هل انتِ دائمة التجهم هكذا ؟
- لا شأن لك .
- حسنا دعينا من المزاح ، اخبريني هل تعرفتِ يوما على شخص فقير ؟
- لا ، ابدا .
- اذا ما أدراكِ بصحة معلوماتك ، ربما تكونين مخطئة بشأننا .
- لستُ مخطئة ، وايضا والدي لا يكذبان علي .
- لا يمكنك الحكم على شريحة كبيرة من الناس ما دمتِ لم تعرفي احدا منهم .
- ربما معك حق ، لكن لا استطيع تغيير افكاري التي اقتنعت بها منذ صغري بسهولة .
- ما رأيك ان اساعدكِ ؟
- وكيف ذلك ؟
- نكون اصدقاء ونلتقي ونتحدث كل يوم ، وبذلك تتعرفي على الطبقة الفقيرة من خلالي .
صعقت لهذا الحل الساذج :
- ماذا !! مستحيل ، انت تمزح صحيح ؟ هل تعتقد اني ساوافق على ان يكون لي صديق مثلك.
لقد تفاجئ كثيرا من ردة فعلي لذا اكتفى بالصمت الطويل ، عم السكون المكان ، بقي متسمرا في مكانه و لم يتحدث بأي كلمة وقد شعرت انه يحدق بي دون ان يشيح بصره عني ، ربما أكون قد جرحت مشاعره لهذا لم يتفوه بكلمة الا ان ذلك لا يهمني حقاً ، انه بغيض وهذا اقل ما يستحقه .
مرت دقيقة صمت بيننا اجتاحتها نسمات الهواء الباردة التي داعبت خصلات شعرنا . لكنه حطم هذا الصمت المطبق بقوله انه سيغادر . سوف يذهب دون ان ينطق بحرف لا اعلم لما اشعرني في هذا الوقت اني مذنبة بحقه . حاولت التنازل عن كبريائي قليلا لاعتذر منه الا انني لم استطع . رغم ذلك حاولت ان اغير هذه الاجواء الخانقة علي انسيه ما قلته للتو ، لذا اوقفته قبل ان يرتجل دراجته:
- مهلا هل نستطيع ان نتبادل مركبتينا ؟
- ماذا ؟ قيادة الدراجة خطرة جدا في هذه الطرق المنزلقة الى الاسفل خاصة لمن لم يركبوا دراجة من قبل .
- من قال لك اني لم اركبها ؟ لقد تعلمت قيادتها خلال سفراتي مع اصدقائي ، واراهن اني افضل منك في القيادة .
كشرت عن اسناني بابتسامة تحدي ، فما كان منه الا ان يبادلني بمثلها وهو يقذف الي مفاتيح دراجته ، ليهرول مسرعا نحو سيارتي ويقودها مبتعدا ، وانا بدوري ايضا قمت بتشغيل الدراجة والاسراع بها حتى تخطيته ، بعدما نزلت من ذلك الطريق المؤدي الى التل العالي ، توقفت انتظر وصوله وقد مرت 45 ثانية حتى وصل هو ، تقدم الي واضعا يديه في جيوب سترته وهو يبتسم :
- لستِ سيئة .
- لست سيئة ! كفاك غرورا وقل كنت مذهلة .
- اظن انه انت من يجب ان تكف عن غرورها .
قهقهت على صحة كلامه وصمت قليلا ثم دون ان انتبه شعرت بحاجتي لاخباره ذلك :
- اتعلم ، ان والدي لا يسمحان لي بممارسة ادنى حقوقي كالاستمتاع بحياتي مثل الاخرين ، لقد خططوا لحياتي منذ الصغر ، حتى انهما لم يأخذاني الى مدينة الملاهي او حدائق الحيوانات العامة ، كل ذلك كان ممنوع علي من اجل ان اصبح سيدة مثقفة من الطبقة الارستقراطية ، متنفسي الوحيد هم اصدقائي ، فقط عندما يكونوا معي يسمحان لي بالخروج والتسكع برفقتهم .
- ربما يخافان عليكِ .
قام بارتداء خوذته وهو يرتجل دراجته لكي يغادر ، و قبل ان يضغط على المكابح استدار الي وهو يقول بنبرة جافة :
- كنت اود ايضا ان اصبح صديقاً لكِ ، ولكنك رفضتِ صداقتي ، لذا اظن ان من الاجدر لي المغادرة .
شعرت لوهلة اني سوف اخسر شخص ربما لن تسنح لي الفرصة للتعرف على مثله ، لذا اظن اني مدينة لنفسي لاعرف اشياء كثيرة من الحياة ومدينة له باعتذار على كلامي الحاد ، لهذا اوقفته ثانيةً قبل ان يغادر :
- حسنا انا موافقة على ان نصبح اصدقاء لكن بشرط : ان تكون صداقتنا بالسر ، فلا اريد لأيا كان ان يعلم بذلك ، هل فهمت ؟
- حسناً ، موافق ، لكن هل استطيع سؤالك عن كون العلاقة سرية ؟
- اظنني سأحتفظ بحق الجواب لنفسي .
- فهمت ، اعتذر لفضولي .
- لا عليك .
انا على وشك اقتراف خطأ كبير ، لا أعلم ان كنت سأندم عليه او لا ، سأترك ذلك الى الزمن ، فهو كفيل بمفاجئتنا .
بعدها قدت مسرعة الى المنزل ، فلقد تأخرت كثيرا ولا اريد لأليسا الحمقاء ان تقلق لانها ستذهب لاخبار امي ، وبالطبع امي ستقدم لي محاضرة في السلوك والآداب العامة التي من واجب الأبنة الارستقراطية اتباعها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق