" عندما تسوء أحوال المرء لا يبقى أمامه سوى القتل أو الانتحار، وعندما يعجز عن ذلك يصير مهرجاً "
ميللر
ثمة امنيات كثيرة على قيد الانتظار ، نحلم بان تتحقق يوماً ، و انا املك ترسانة منها ، خبأتها في قلبي ، لربما ستتحول الى حقيقة ، لكن اهمها هي : ان اجرب هذا المدعو بالحب و اعيش هذه التجربة التي يتمنى الكل معايشتها والشعور بهذا الهوس المفاجئ والشوق الوقاد الذي يتغلغل داخل خلايا جسمك وهو يدعوك برحابة صدر الى : المزيد ، المزيد ، من الالم ، العذاب و اللهفة ثم يدعوك الى الهاوية التي ستسقط منها اما منتصر بعد ان تفوز بحربك الخاصة وتحظى بمن تحب ، او منهزم مكسور و انت مضرج بدموع الخيبة و لوعة الفراق و اليأس ، هكذا هو الحب كما قالوا لي : وجع رائع و شر لابد منه ...
لكني سرعان ما اتردد و اتوتر عندما افكر بان يوما ما ساكون عاشقة او زوجة لاحدهم ، يشاركني في المنزل شخص آخر والمصيبة الاعظم انه رجل ، الامر برمته مخيف ، افكر ماذا لو لم اعجبه او يعجبني ، ماذا لو اختفى الحب وتحول الى حرب مستعرة بيننا ، ماذا لو لم نستطع فهم بعضنا البعض ،
ماذا لو ........
لا اعلم لما ارهق نفسي كثيرا ، ربما لانني لست واثقة من المستقبل و ما خبأ لي القدر ، اظن انه الاسوأ ، هناك شيء بداخلي يجعلني احس بان المجهول القادم ، ليس جيدا بل مخيف ، مخيف جدا ، احيانا اشعر بانني اسوأ فتاة على وجه الارض رغم اني لم افعل شيئا سيئاً يستحق كل هذا التأنيب والمعاتبة لذاتي ، او من يعلم ربما قد افتعلت الكثير من المساوئ دون ان انتبه لذلك ، انت لا تتذكر ما اقترفت بحق الاخرين لكن قلبك يتذكر و ضميرك مستيقظ دوما ...
******
لقد استيقظت مبكراً وهذه ليست عادتي لكني مجبرة على الاستيقاظ بمثل هذا الوقت كل يوم بسبب الجامعة ..
قمت بالاستحمام ، ثم ارتديت ملابس انيقة تناسب مكانتي الاجتماعية ، قميص احمر مع بنطال اسود وسترة سوداء وحذاء ذا كعب أحمر اللون ، صففت شعري الاشقر وتركته منسدل على كتفاي ، خرجت بعدها متجهة نحو الصالة في الدور الاول ، وجدت والداي يتناولان الافطار وهما يتناقشان حول اعمالهما المعتادة ، وقد قمت بمقاطعة حديثهما لالقي التحية الصباحية ثم قبلتهما ، وشاركتهما الافطار ، بعد ذلك اقبلت نحو سيارتي لاقودها الا ان السائق اعترض طريقي ليخبرني :
- عذرا آنستي ، السيدة والتر لن تسمح لكِ بقيادة سيارتك ، اسمحي لي بان اقلك بنفسي .
- لا داعي لذلك ماكس ، امي سمحت لي بقيادتها منذ اليوم .
لا اعلم ما خطب امي ، ان كانت تعتقد ان تقييدي وسجني في المنزل وعدم السماح لي بالخروج كثيرا حماية لي فهي ، بالتأكيد مخطئة ، منذ الآن فصاعداً ، سأقود سيارتي بنفسي حتى وان اعترضت و غضبت ، لا احب انتظار السائق ليقلني بينما انا لدي سيارة خاصة و لكن والدتي لاتسمح لي بقيادتها الا الى الجامعة ، لذا كنت سعيدة جدا وانا اقودها ، شعرت بالحرية المطلقة التي افتقدتها في هذه العطلة الطويلة تحت ظل احكام والدتي المقيدة ، كانت السماء صافية و الهواء نقيٌ جداً ، والطيور تتراقص فرحا وتغرد طربا وكانها تشعر بما اشعر وتسعد لسعادتي ، غير ان تلك السعادة لم تدوم طويلا بسبب ذلك الابله الذي عكر صفو صباحي بصوت دراجته المزعج و سرعته الهائلة وهو يقودها بجانبي ، لم استطع ان لا اهتم ، لذا قدت سيارتي باسرع منه وتجاوزته وانا سعيدة بهذا الانتصار الذي حققته لتوي ، الا انه لم يكتف بذلك زادت سرعته أكثر و أكثر و تجاوزني كانه عاصفة رعدية مرت بجوار سيارتي ، ثم التفت لي بعدها وقام بتحيتي و ابتعد تاركاً اياي اشتعل شررا من الغضب ، وانا العنه بابشع الالفاظ ..
بعد وصولي الى الجامعة ، لفت بصري تلك الدراجة نفسها التي كان يركبها ذلك اللعين الاحمق ، الذي جعل من يومي جحيماً ، وما ادهشني أكثر هذه الخوذة نفسها التي ما تزال تحتل رأس صاحبها ، الا انه قام بخلعها بعد اذ صار مقابلاً لي وقد قام بعدها بخلع سترته الجلدية لتتضح لي معالم جسده السريالية ..
لم استطع اخفاء اعجابي و انجذابي لهذا الوسيم ، رغم اني كنت قبل قليل العنه ، الا ان هذا الحنق اختفى مع رؤيتي لملامحه ، كان ضخم الجثة ، قوي البنية ، عضلات مفتولة و مشدودة تظهر وشماً لم استطع رؤيته جيداً ، بشرة سمراء قمحية و عينان زرقاوتان بلون المحيط ، اما شعره فقد كان اسود حالك بلون الفحم ذو خصلات ناعمة وملتفة كالافاعي ، كان بهيئته المهيبة هذه اشبه بإله اغريقي ذا رهبة و هيبة ، يبهر نظر الرائي له ، لكني ليس من السهل ان اظهر انبهاري باي شاب وسيم اراه امامي ، لذا غادرت المكان دون ان التفت له ، بالنهاية هو مجرد احمق متفاخر يظن نفسه سائق متمرس يباهي بمهاراته امام الفتيات ..
كنا قد اتفقنا في الامس انا واصدقائي ان نلتقي في كافتيريا الجامعة قبل بدء المحاضرة ، وها هم آنذا قد وجدتهم امامي كعادتهم يزهون بما فعلوه او اشتروه في هذه العطلة ..
توجهت اليهم وانا اصرخ باعلى صوتي قبل ان اصل الى طاولتهم :
- كيف حال الحمقى ؟
وقد التفت الي جميع من كان في الكافتيريا باستغراب مبالغ به ، بعضهم يطالعني باعجاب واخرين بحقد ، وهناك بعض الهمهمات والهمسات الخافتة تسابقت الى اذنيّ :
" ها قد اتت العاهرة المدللة "
" يا الهي كم اكرهها "
" مغرورة و سافلة "
" اللعنة ، كم تبدو جذابة "
وقد ارتسمت على وجهي ابتسامة متعالية ، تكاد تكون مصطنعة لسماعي هذه الانتقادات ، بالطبع لن اهتم بما يقولوه ، اقول لنفسي دوما :
" ان الفقراء ان لم يستطيعوا مجاراتك ، يحقدون عليك ويكرهوك "
وهذا اثبات لصحة كلامي ..
اقتربت من الطاولة التي استقر عليها اصدقائي ، وقد كان اول من قام لاستقبالي هو دانيال ، اخبرني وهو يحتضنني :
- اوووه، كم تسرني رؤيتكِ عزيزتي اشتقنا لكِ .
دانيال : هو الاقرب لي من بين الاخرين ، فهو يستطيع فهمي بسهولة دون ان اكبد نفسي عناء الشرح ، لذا فهو الوحيد الذي لا اشعر بالملل من الحديث معه ، الا انه كان مسافر في هذه العطلة لذا لم اتحدث معه الا مرتان فقط خلال ثلاثة اشهر ..
لقد تغير حقاً بعد سفره الاخير الى نيويورك ، صار اكثر وسامة واكثر هدوءا ، حتى انه صار اكثر رشاقة من قبل ، وايضا تلك السمرة الخفيفة التي غطت بياض بشرته بسبب زيارة البحر المستمرة ، اضافة الى جسده الرشيق ، وطوله الذي يتفاخر به على اقرانه ، شعره البني وكذلك عينيه ، جميعها اعطته مظهر استثنائي جدا ، مظهر رجولي خاص و زادته نضجاً ..
- الهي نورسين تبدين فاتنة جدا بهذا الشعر البلاتيني ، وهذه القصة الحديثة ..
كان المتحدث ( فيفيان ) هي فتاة ثرية جدا ، برجوازية و متعالية ، تعود جذورها الى عائلة ملكية من الدانمارك وهذا ما يدعوها الى التخايل دوما بانها ابنة ملوك ، وهي حقا تشبه الملكات بشعرها الاسود الطويل الذي يصل الى نهاية خصرها و عيناها العسليتين البراقتين كقرص شمس وبشرتها البيضاء الناصعة ...
اما بيدرو و تونيا فقد اكتفيا بالترحيب البسيط و احتضناني لانهما قد التقيا بي خلال هذه العطلة أكثر من مرة ...
ان بيدرو شاب غبي و ابله ، طيب القلب جدا وهذا ما يجعله سهل الوقوع في شباك الفتيات ، والداه منفصلين وكلا منهما متزوج بآخر ، الا انهما يعملان معاً كمحاميين في اقليم ساسكس ، لذا فهو يسكن وحيدا في شقة فخمة قرب الجامعة ، لديه جمالا خاص مختلف عن الجميع فهو اصهب ذا عينين بنيتين و جسد ضئيل غير رشيق ، فهو يعاني من خلل في وزنه الغير اعتيادي لذا هو يملك جسدا ضعيفا جدا و هزيل ، بالنسبة لتونيا فهي شابة جميلة جدا ذات بشرة سمراء قاتمة كالشوكلاه ، و عينان سوداوتان لامعتان اشبه بليلة صيفية زينتها مصابيح النجوم ، و شعر كستنائي مجعد ، هي من عائلة ارستقراطية من جنوب افريقيا ، كانوا يعيشون في امريكا ، لكن بعد وفاة والدها في افغانستان عندما كان يقاتل مع الجيش الامريكي ، انتقلوا الى العيش في بريطانيا ، وهنا تزوجت والدتها من رجل أعمال غني ..
هؤلاء الاربعة تعرفت عليهم عندما ذهبت الى رحلة تخييم في غابات الامازون قبل 5 سنوات ، و هناك تعرفنا على بعضنا و اصبحنا نتحادث كل يوم وكذلك اتفقنا على دخول نفس الجامعة ..
وبينما كنا نتحادث فيما بيننا ، قاطعنا صوت تونيا المنبهر وهي تتحدث باعجاب :
- يا الهي من هذا الوسيم ، اول مرة اراه في جامعتنا ، اظنه طالب جديد .
التفت الى من كانت تطالعه ، لافاجئ به ذلك الاحمق الذي اعترض طريقي بدراجته الغبية قبل وصولي الى الجامعة ، لكني لم اهتم لذا عاودت اكمال حديثي ، الا انني توقفت ثانية بعد اذ قالت انه متجه نحونا ، توقف بجانبي وهو يطالعني بنظرات سعيدة
" مرحبا "
لم نرحب به ، كنا صامتين نطالعه بتفحص ، فقط تونيا من رحبت به و دعته للجلوس معنا ، الا انه رفض بخجل وتردد :
- اهلا بك ، تفضل لتعرفنا على نفسك ، انا ادعى تونيا سميث ، وهذه فيفيان ميشيل ، بيدرو جونسون ، دانيال انتوني و اخيرا نورسين والتر .
- تشرفت بمعرفتكم ، لكنني جئت لالقي التحية فقط ، والان اعتذر منكم ، محاضرتي ستبدأ بعد قليل ولا اريد التأخر عليها ..
ثم التفت لي وقد مد ذراعه وهو يبتسم :
- سررت بالتعرف عليكِ آنسة والتر .
الا اني لم استطع الترحيب به فقد كنت حانقة عليه كثيرا بسبب ما فعله ، لذا استقمت من على طاولتي وانا اطالعه بنظرات غاضبة ، ثم ابتعدت تاركة أصدقائي خلفي دون ان اهتم .
الا انه لحق بي وقد تحدث بهدوء رغم صوته المرتفع :
- ان تصرفك هذا ، لا يمت للذوق بصلة .
شعرت للحظة ان النار سوف تتدفق من فمي و اذنيّ ، وعيناي بدأت تقدح شرارات متطايرة :
- ماذا ؟ كيف تجرؤ على مخاطبتي هكذا ايها اللعين ، أتعلم من أكون ؟
اخبرني بكل برود قبل ان يغادر :
- لا ولن يهمني ذلك .
مما زاد من غضبي و كرهي له
" اقسم ان أجعله يدفع الثمن غاليا " قلتها مخاطبة عقلي الباطني وانا اعني ذلك .
تجمع الاصدقاء من حولي ، بعد ان لاحظوا مدى سخطي و غلي ، وقد حاولوا ان يجعلوني اهدأ ويخففوا من امتعاضي ، لكن كل تلك المحاولات لم تجدي نفعاً معي ، لم أكن اعلم انني سريعة العطب هكذا ،
لاول مرة اسخط على أحدهم بهذا الشكل حتى اني قد تفاجأت من نفسي ، فأنا عادة هادئة جدا لكن كل هذا الهدوء اختفى الآن بسبب هذا الغبي ، من يظن نفسه ..
- بحق السماء تونيا !! كيف تدعين شاب غريب ليجلس معنا ، من يعلم من يكون او من اي طبقة هو ؟ لا تكوني بلهاء و تنجذبي لاي شاب وسيم تريه امامك ، ما أدراكِ ، ربما يكون مجرم او لص من اصحاب الطبقة الفقيرة .
كانت هذه فيفيان ، وهي تصرخ بوجه تونيا الحمقاء ، هي تعلم كم ان تونيا غبية كبيدرو تماماً ، تنجذب لاي شاب وسيم تراه امامها دون ان تعلم من هو وما هي غايته منها ، الا ان كلامها هذا ، زاد من اهتياج تونيا ، لتصرخ في وجهها قائلة :
- ارجوكِ كفي عن القلق بشأني مولاتي الملكة ، تعلمين جيدا انا لا افكر مثلكِ انتِ و نورسين و دانيال ، كل هذه الامور ، طبقات ، فقراء او اغنياء ، لا تهمني .
وهنا تدخل دانيال ليذكرها :
- آه حقا لا تهمك ، أتذكرين مايكل مدمن المخدرات الذي استغلك بعد ان قام بشراء المخدرات من مالكِ ، و جورج الذي ترككِ و هاجر الى المانيا ، روبرت الكاذب ، تود الذي سرق بطاقة إئتمانك ، جميعهم كانوا فقراء وكل ذلك لن يهمك .
قاطعتهم وانا اصرخ بوجههم جميعاً :
- كفى ارجوكم ، انسوا الامر اصبحت بخير الان ، هيا دعونا نذهب الى قاعة المحاضرات.
في الحقيقة كنت مستائة جدا لكن لا اريد لاي أحد ان يلاحظ ذلك ، لذا لم يكن لدي خيار آخر سوى تصنع اللامبالاة ..
بعد دخولنا الى القاعة كلا من اصدقائي اختار الجلوس بجانب بعض ، الا انا فضلت ان اجلس وحدي هذه المرة وفي الكراسي الاخيرة الفارغة ، فليس لدي مزاج لسماع محاضرة في الادب القديم .
بدأت اشعر بالملل لذا تناولت هاتفي و صرت اتصفح الانترنت فيه ، دون ان اهتم الى ما يحصل حولي ، حتى اني لم انتبه الى هذا الاحمق الذي ترك جميع الكراسي الفارغة في الخلف و جلس بجانبي ، لكني التفت اليه بعد اذ قال لي بصوت مهموس :
- اليس من الافضل لكِ ان تكفي عن العبث وتنتبهي الى المحاضرة .
تفاجئت من وجود هذا اللعين بجانبي ، كيف يجرؤ على الجلوس بقربي ، دون ادنى خجل او ندم ، ولهذا لم استطع كتم غضبي أكثر لذا كنت على وشك الصراخ بوجهه الا انه و بحركة خاطفة قام بغلق فمي بيده :
- اششش انسيتي اننا في محاضرة .
ابعدت يده بقوة و انا اشعر بشياطيني بدأت تتراقص امامي وهي تدعوني الى خنقه حتى الموت ، اخبرته بصوت خافت :
- كيف تجرؤ اقسم ان اجعلك تندم ايها العين الاحمق .
- اسمعي ان كنتِ غاضبة مني بسبب ما حدث في الصباح فأنا اعتذر منكِ حقاً ، شعرت بالسخف لفعلتي لذا سامحيني ارجوكِ .
غير معقول ظننت انه سيقوم بلعني ايضا ، او يضربني ، الا انه اخجلني برده ، كيف له ان يكون بهذا الهدوء ويحافظ على رباطة جأشه بينما انا اشتعل ناراً ، لم اشأ ان اجعل من نفسي اضحوكة و متسامحة لذا لم اجيبه بكلمة ، وايضا تجاهلت وجوده المستفز بجانبي وعاودت اللعب في الهاتف ، الا انه التفت الي مرة اخرى ليخبرني وهو يمد يده لي :
- دعينا نقلب صفحة جديدة ارجوكِ ، انا ادعى رودريك ، رودريك فيكتور ، وانتِ ؟
اجبته بصوت حاد ، دون ان اتطلع فيه او حتى امد يدي :
- نورسين والتر .
- تشرفنا آنسة نورسين ، كنت اود ان اخبرك كم ان افعال القدر عجيبة فعلا ، فقد جعلنا نلتقي مرة اخرى ، الا انكِ لم ...
قاطعته وانا اشعر بالفضول والغرابة معا :
- مرة اخرى ! ، ماذا تعني ؟ هذه اول مرة اراك فيها .
- اووه ، الا تذكرين التقينا في الامس ، السوق ، المصعد ، اكياسك التي وقعت .
وهنا احسست ان بدني قد اقشعر بأكمله و شعر رأسي على وشك الوقوف ، اذا العامل القذر الذي لوث ملابسي في الامس كان هو .
" يا الهي اشعر اني على شفا شعرة من الجنون "
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق