في ليلة باردة مثلجة ، كنت للتو عائدة برفقة اصدقائي من حفل الاوبرا الممل ، لربما قد يستغرب احدهم كيف لشخص من الطبقة الثرية ، ان يمقت هذا الفن العريق والذي لا يحبه سوى الاثرياء والمثقفين جديدي العهد ، قد لا يهتم الناس ان سمعوا فقيرا يكره فن الاوبرا ، وربما يسخرون منه لجهله بالثقافة او يتهموه بانه ليس ثرياً او جاهلا غير محب للفن ، لكنهم لن يغفروا لاحد من الاثرياء امثالي ان علموا باني لا احب الاوبرا التي لا افهمها ولا يصل لي منها سوى الصراخ ، لذا انا اضطر لاجامل اصدقائي و اكون مجبرة على الذهاب معهم ..
توقفت بالقرب من احدى المحلات لاشتري لي سترة صوفية ، كانت قد نالت اعجاب رودريك في احدى المرات التي كنت بصحبته ، وطلب مني شرائها لانها ستبدو جميلة عليّ ، بحسب قوله ، لكني وقتها لم اكن احمل معي اي نقود ، فهو قد اشترط عليّ عندما نخرج معا ، ان لا احمل معي اي نقود كي العب دور الفقيرة بنجاح ، وقد اعجبني هذا الشرط ، لاني عندما اتحول فقيرة مثله لا اخشى من ان تسرق محفظتي او بطاقتي الائتمانية ، فقط اكون على سجيتي و وقلبي مطمئن ..
اخبرني دانيال بانه سينتظرني مع بقية الرفاق في الخارج ، لكن فيفيان اصرت ان تدخل معي لترى ما الذي سأشتريه ، هي هكذا دوما تعجبها منافستي في كل وقت وعلى اي شيء ، كنت اعلم ان ذوقي هذه المرة لن يعجبها ، لكني لم اهتم .. تقدمت مباشرة نحو السترة وهي ما زالت تراقبني ، كانت السترة معلقة على واجهة المحل الزجاجية ذات مظهر بسيط جدا ، بنية اللون تتخلها ورود بيضاء ، واكمام طويلة تحتوي على ازرار كبيرة باللون الابيض ، قمت بسحبها ثم توجهت الى صاحب المحل لادفع له ثمن السترة ..لكن قاطعتني فيفيان وهي معترضة :
- نورسين هل جننت ، ما الذي اعجبك بهذه القطعة البالية ، ارجوكِ اختاري غيرها ، لا تقلقلي نحن لسنا مستعجلين وبإمكاننا انتظارك لتختاري ما يليق بك ..
اجبتها دون ان انظر باتجاهها :
- لا لن اختار غيرها فقد اعجبتني هذه السترة و وقع اختياري عليها ..
- هل بات ذوقك رديئا ام ماذا ؟
ابتسمت كي اغيضها :
- ربما ، من يدري ، المهم انها اعجبتني واريد شرائها .
بعد ذلك اوصلوني اصدقائي الى منزلي ، كان واضحاً على معالمهم الاستياء ، ليس بشأن قطعة ملابس لكن اعتقد ان فيفيان اخبرتهم باعتراضي لرأيها ، لم اعرف تحديدا ان كان استيائهم مني او من ذوقي الذي فاجئهم ، او من تمردي الذي بدأوا يكتشفوه منذ فترة قصيرة ، حتى اني كنت متفاجئة كثيرا من نفسي ، فقد لاحظت ذلك التغير الكبير منذ ان اتخذت رودريك صديقاً لي ، غير ان هذا التغيير لا يزعجني بل العكس يجعلني اشعر قليلا براحة . فعلى سبيل المثال ، كنا انا و اصدقائي قبل ثلاثة ايام تحديداً في شقة بيدرو نتناول العشاء ، ثم تطرقنا لموضوع الفقراء واسباب تمردهم على القوانين والانسلاخ منها ، واذا بي انطق فجأة بجملة لم اتخيل نفسي يوما بان اقولها يوما ! وامام من ؟ امام رفاقي !
كانت تينا اول من تطرقت لهذا الموضوع :
- اتعلمون يا اصدقاء ان اعداد الفقراء في تزايد ، بسبب الازمة الاقتصادية الحالية التي تعصف في البلاد ، الكثير من التجار و رجال الاعمال قد خسروا اموالهم واصبحوا الآن على خط الفقر .
قالت لها فيفيان التي كانت منشغلة في برد اظافرها :
- اخشى ان يقوموا بحركة تمرد ، متخذين من خسارتهم ذريعة لاسقاط البرلمان ..
- لا بد ان تحذري والدك نورسين ، كي يتخذ التدابير اللازمة من أجل حماية الشعب ، ان تحول الاثرياء الى فقراء يجعلهم عرضة للانحراف في طريق ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق